الخميس، 16 أكتوبر 2014

رواية مونفليت - الفصل السابع عشر

الفصل السابع عشر

النزول الى البئر 

وبدأ البرميل ينزل بي الى اسفل البئر رويدا رويدا .. وكلما نزلت الى اسفل خف الضوء واظلمت جدران البئر .. وعندما نظرت الى اعلى وجدت فوهة البئر عبارة عن دائرة من الضوء تبدو مثل القمر ..

واستمر النزول بطيئا الى ان وصلت الى نهاية الحبل الذي ادلاه ((آلزفير)) من اعلى والذي يبلغ طوله ثمانين قدما بالظبط وعندئذ صحت بالرجلين ان يتوقفا عن انزال الذي يحمل البرميل وتوقف الهبوط فورا ..

وكانت جدران البئر مبنية باحجار مربعة متماثلة في الشكل و الحجم واخذت افحصها حجرا حجرا ولكني وجدتها كلها متشابهةولا يوجد بينها اي حجر مميز باي علامة .. وسمعت صوت الرجل الحارس وهو يصيح بي متسائلا :

- هاه .. هل وجدت شيئا ..؟! هل ترى المكان جيدا ..؟!

فصحت قائلا :

- لا .. لم اجد شيئا .. يا ((آلزفير)) .. هل انت متاكد من ان حبلك طوله ثمانون قدما بالظبط ..؟!

وسمعت الرجلين يتحدثان مع بعضهما ولكني لم اسمع شيئا مما كانا يقولانه .. واخيرا صاح بي ((آلزفر)) :

- جون .. يقولون ان الارض قد ارتفعت قليلا في هذه المنطقة بمرور الزمن .. وعليك ان تبحث في مكان اكثر عمقا من المكان الذي تقف فيه الآن.. وسوف تنزل بالبرميل قليلا فانظر جيدا ..

واخذ البرميل ينزل بي مرة اخرى لكن ببطء شديد اتاح لي ان افحص جميع الاحجار بدقة شديدة .. وفجئة لا حظت وجود علامة صغيرة على شكل حرف ((y)) وهو الشعار الذي كانت تتخذه عائلة ((الموهون)) .. اذن فالجوهرة الثمينة مخباة خلف هذا الحجر .. لقد وصلت اليها اخيرا .. وطلبت من الرجلين ان يتوقفا عن انزال البرميل .. وان يحركا البرميل قليلا ناحية الجانب الآخر من البئر ..

واخذت اخفر حول الحجر محاولا زحزحته من مكانه .. وسمعت مرة اخرى صوت الحارس وهو يصيح :

- ماذا تعمل الان ؟ .. هل ةجدت شيئا ؟ .. هل وجدت شيئا..؟!

وتضايقت هذه المرة من صوت هذا الحارس .. لماذا يصيح متلهفا هكذا .. بينما ظل ((آلزفير)) صامتا طوال الوقت ..؟!

وتمكنت من اخيرا من زحزحة الحجر وخلعته من جدار البئر ووضعته في البرميل جوار قدمي ..ومددت يدي داخل الثقب الذي كان يشغله الحجر فعثرت على لفة صغير تحسستها باصابعي فاذا بداخلها شئ صلب وكروي .. وما ان فتحت اللفة حتى وجدت بداخلها ماسة ضخمة..!!

لم اكن قد رايت في حياتي من قبل اي قطعة من الماس .. لا صغيرة ولا كبيرة .. ومع ذلك فقد شعرت ان تلك الماسة التي عثرت عليها هي اجمل الماسات في العالم .. كان ينعكس عليها ضوء الشمعة التي كنت احملها في يدي الاخرى فيخرج منها على الفور بريق من آلاف الالوان البديعة المبهرة .. ولم استطع ان ابعد عيني عن جمالها وبريقها .. ومر بذهني سيل الذكريات والاحلام التي كنت اصور نفسي فيها سعيدا متمتعا بالغنى والثراء .. والعودة الى ((مون فليت)) .. وحبي ((جريس)) ..

وأفقت على صياح الحارس من جديد :

- ماذا تعمل الآن ؟ .. هل وجدت شيئا ..؟!

وصحت بالرجلين على البئر :

- نعم .. لقد وجدت الجوهرة .. ارفعاني الآن الى اعلى ..!!

واخذ البرميل يرتفع بسرعة .. وظلت الاحلام تراودني اثناء الصعود .. وتذكرت صوت ((جريس)) العذب الجميل وهي تقول : كن حذر ا.. ان هذه الجوهرة قد تجلب لك التعاسة !

وعندما اصبحت قريبا من فوهة البئر توقف الحارس عن جذب الحبل واصبحت معلقا .. واندهشت لانه كان من المفروض ان يسحب الحبل الى ان اخرج سالما من البئر واعود مرة ثانية الى الارض .. ولكني لاحظت ان الحارس مد يده الي وقال :

- اين الجوهرة .. اين الجوهرة.. اعطني اياها ..!

ووضعت الماسة بين اصابعي لاريها ((لآزفير)) .. ولكن الحارس مد يده اكثر واراد ان يخطفها ..ولاحظت في عينه شيئا ذكرني بعلاء الدين ومصباحه السحري .. وتذكرت ان علاء الدين رفض ان يعطي الساحر المصباح قبل ان يخرجه من داخل الكهف .. .. لقد كان علاء الدين يخشى ان يحصل الساحر على المصباحثم يغلق عليه باب الكهف ويصبح مدفونا تحت الارض .. وعاود الحارس صياحه مرة اخرى:

- اعطني الجوهرة ..!

فاجبته بكل ثقة :

- اخرجني اولا من البئر واعطيك الجوهرة ..

فقال الحارس ببجاحة:

- لا .. اعطيني الجوهرة اولا .. ان ذلك ااكثر امانا ..قربما تسقط الجوهرة من يديك اثناء خروجك من حافة البئر ..!

ثم صاح مرة اخرى بصوت اكثر غضبا :

- قلت لك اعطيني الجوهرة .. هاتها!!

وهنا تدخل ((آلزفير)) الذي لم يقبل ان يحدثني الحارس بهذه الطريقة .. فقال له :

- ارفعه اولا خارج البئر .. ان لجوهرة ملك لهذا الصبي وسوف نعطيك حقك الذي اتفقنا عليه وهو ثلث قيمة الجوهرة بعد ان نبيعها ..

فقال الحارس فس شراسة:

- ان الجوهرة ليست ملكا له .. ولا ملكا لك انت ايضا .. انها ملكي انا ..لان البئر بئري انا .. ولقد سمحت لكما بالنزول الى البئر لاحضار الجوهرة ..وسوف اقوم انا ببيعها واعطيك نصف قيمتها .. اما هذا الصبي فسوف اعطيه قطعة نقود ذهبية كمكافاة له .. وهذا يكفي !

وقال ((آلزفير)) :

- لا تكن غبيا .. ان الجوهرة ملك للصبي .. وسوف يحصل على حقه كاملا ..

وقال الحارس بسرعة :

انا لست غبيا بل انت الغبي .. ان اسمك هو ((آلزفير بلوك)) وهناك مكافاة قدرها خمسون جنيها لمن يقبض عليك .. وكافاة اخرى قدرها عشرون جنيها لمن يقبض على هذا الصبي .. وانتم الان في قبضة يدي ويمكنني ان احبسكما داخل هذا المبنى الخشبي واسلمكما الى الجنود .. فهل انا الغبي ام انت .. انى لن ادعكما تخرجان من هنا الا اذا اخدت الجوهرة .. !

وعندما تبينت هذا الموقف الغريب من جانب الحارس ، خبأت الجوهرة داخل ملابسى .. وقررت ان ابذل كل جهدى فى الدفاع عنها بكل طريقة ممكنة .. ونظرت الى اعلى ولاحظت ان الحارس قد اخرج مسدسه من جيبه .. فصحت على (( الزفير)) محذرا :

_ احترس يا (( الزفير)) .. احترس!

وفى تلك اللحظة صوب الحارس مسدسه نحو (( الزفير)) وقال مهددا:

_ اياك ان تتحرك .. انى اقبض عليك الان .. واذا صدرت منك اية حركة فسأطلق عليك النار وارديك قتيلا واحصل على الخمسين جنيها .. 

وفجأة اطلق الحارس النار صوت (( الزفير)) الذى كان يقف على الجانب المقابل من حافة البئر .. وكان من المتوقع أن (( الزفير)) قد اصيب بالطلقة التى اطلقت عليه من تلك المسافة القريبة .. ولكن الطلقة طاشت وضربت الحافة للبئر ولم يصب(( الزفير)) بشيئ .. وعندئذ القى الحارس مسدسه الفارغ من الرصاص واندفع نحو (( الزفير)) فى هجوم وحشى .. وامسك رقبة (( الزفير)) بين يديه ..

كان الحارس اكثر شبابا ، ولكن (( الزفير)) كان اكثر قوة .. ونشبت بين الرجلين معركة شرسة ..

وبذلت كل جهدى حتى صعدت خارجا من البئر لكى اساعد (( الزفير)) فى معركته ضد الحارس .. ولكنى ما ان وقفت الى جانب حافة البئر حتى وجدت (( الزفير)) فى غير حاجة الى مساعدتى .. كان قد تغلب على الحارس واوشك ان يلقى به على الارض .. وكانت ذراعا الحارس تحيطان بجسم (( الزفير)) .. ولكنه رفعهما ومدهما ليمسك برقبة (( الزفير)) مرة اخرى .. فاذا به ينزلق على المياه التى كانت تحيط بحافة البئر ، فسقط على الارض وقدماه مرفوعتان الى اعلى ورأسه متجها الى اسفل وسقط فى فوهة البئر .. وفى لمح البصر مدتت يدى لكى امنعه من السقوط ، الا ان يدى لم تمسك الا بسلسلة المفاتيح التى كانت معلقة فى حزام حول وسطه .. وسقط الحارس فى فوهة البئر واحدث سقوطه صوتا مرعبا وهو يتخابط فى جدران البئر ثم دوى الصوت مرة اخرى حين سقط فى مياه البئر .. وتلا ذلك صمتا تام ..

اسرع (( الزفير)) نحو البرميل ، ودخل الى فوهة البئر وهو يقول :

_ هيا ياجون .. انزلنى بسرعة .. سأحاول ان انقذه ..!

وادليت الرميل بسرعة الى اسفل البئر .. واخذت انصت باهتمام لاعرف النتيجة .. واخيرا طلب منى (( الزفير)) ان ارفع البرميل الى اعلى .. وعندما خرج من البئر لزم الصمت وعرفت بذلك ان الحارس قد مات !

وقلت متحسرا :

_ دعنا نلقى هذه الجوهرة فى البئر يا (( الزفير)) انها لم تجلب لنا سوى التعاسة والموت !

فقال (( الزفير)):

_ لا .. اعطنى الجوهرة لاحتفظ بها من اجلك .. انا لا اريد شيئا منها ولا ارغب فى الحصول من ورائها على اى كسب .. اريد فقط ان امنعك من القائها فى البئر !

وهكذا اعطيت الجوهرة ل(( الزفير)) ..

وعدنا بسلام الى حانة (( باجل)) .. وجمعنا حاجياتنا بسرعة .. واعتذرنا لصاحب الحانة بأن عملا ما جعلنا نرحل بسرعة .. واتجهنا الى ميناء القريب من الحانة .. وركبنا سفينة هولاندية كانت على وشك الرحيل فورا الى هولندا. . !
*** 

رواية مونفليت - الفصل السادس عشر

الفصل السادس عشر 

في القلعة

كان الوقت متاخرا عندما وصلت الى ((كهف جوزيف)) لانام فيه آخر ليلة ..

وفي الليلة التالية ارسلت الينا السفينة ((بون ادفنشر)) احد قواربها لياخذنا من الشاطئ حتى نصعد الى ظهرها .. وهناك رأيت مجموعة من الرجال و البحارة اعرف الكثيرين منهم .. وتحدثو معي بلطف وترحاب .

وبالرغم من سعادتي بوجودي بين هؤلاء الرجال الا ان شيئا من الحزن قد ملأ قلبي ونحن نغادر ساحل ((دورست)) .. حيث يوج الكهف الذي عشت فيه اكثر من شهرين ..

وفى صباح اليوم التالى انزلتنا السفينة فى بلدة (( كاوز)) ومن هناك وصلنا السير على الاقدام حتى قرية (( كاريسبروك)) .. ودخلنا الى حانة (( باجل)) حيث تناولنا طعاما شهيا .. ونمت على سرير جيد ونظيف وسعدت به كثيرا حين تذكرت فراشى الرملى فى كهف (( جوزيف)) ..

واتفقت مع (( الزفير)) على الا اظهر كثيرا خارج حجرتى او خارج الحانة .. ولذلك فقد كنت اقضى اغلب وقتى فى اخر ركن بالحانة وقراءة الكتب التى اجدهاهناك .. اما (( الزفير)) فقد كان يقضى اغلب النهار بالخارج .. وتردد على القلعة عدة مرات .. وعلم ان القلعة تستخدم الان كسجن لاسرى الحرب من الجنود الفرنسيين .. واخبرنى انه استطاع ان يعقد صداقة مع بعض حراس القلعة .. وتمكن بذلك من الدخول الى القلعة ورؤية البئر ..
***

كانت هناك حديقة خلف حانة (( باجل)) .. يمر بها مجرى مائى صغي .. وكنت افضل الجلوس فى تلك الحديقة فترة المساء .. وجاءنى (( الزفير)) وجلس بجانبى وقال :

_ لقد حاولت ان اضع خطة واصل الى البئر وحدنا دون ان نخبر احدا بذلك .. ولكنى وجدت ان الامر هذا مستحيل تماما .. وهناك رجل يتولى حراسة هذا البئر ، وبدون مساعدة من هذا الرجل لن نستطيع ان نفعل شيئا .. لذلك فقد اضطررت ان اخبره بأن هناك جوهرة ثمينة مخبأة فى هذا البئر ونحن نعرف مكانها .. فوعدنى بأنه سيساعدنا فى الهبوط الى البئر للبحث عن الجوهرة بشرط ان يحصل على ثلث قيمة الجوهرة الثمينة او اية جواهر اخرى نعثر عليها .. والحقيقة انى لا اثق فى هذا الرجل ولكن ليس امامنا حل اخر .. ولهذا فقد اتفقت معه على ان نقابله عند بوابة القلعة فى الساعة السادسة من صباح الغد .. ويحب ان نكون متنكرين فى ثياب عمال بناء جائو ليصلحو جداران البئر .. وسيتولى هو امر دخولنا الى القلعة والى البئر ..!

وفى الصباح الباكر غادرنا حانة (( باجل )) ونحن متنكرين فى الثياب المتفق عليها .. وكانت الامطار الغزيرة ظلت تنهمر طوال الليل .. ومازالت بقاياها تنهمر خلال الصباح .. وعندما وصلنا الى بوابة القلعة وجدنا من يتوقع مجيئنا .. ففتحت لنا البوابة ودخلنا .. ودعانا حارس البوابة لبعض الشراب ولكن (( الزفير)) شكره ولم يقبل دعوته وفضل ان يبدأ العمل فورا ..

وسار الرجل امامنا وسرنا خلفه .. وعبرنا الساحة الرئيسية الى الجانب الاخر .. وهناك اخرج الرجل مفتاحا كبيرا وفتح به بابا ضخما دخلنا منه الى ساحة اخرى اقل مساحة ،وفى وسطها مبنى مربع الشكل مصنوع من الخشب .. وفتح الرجل الباب ودخلنا جميعا وقام الرجل باغلاق الباب من الداخل .. لقد وصلنا الى البئراخيرا .. 

وعندما نظرت الى الرجل لم استرح لملامح وجهه ولا الى شكله العام .. وفقدت ثقتى فيه .. واذا كانو يقولون ان هذه الجوهرة الثمينة تجلب التعاسة لمن يمتلكها .. فمما لا شك فيه ان هذا الرجل سيكون اول متاعبنا اذا عثرنا على الجوهرة ...
*** 

كان هناك برميل خشبي معلق ببكرة الحبال فوق البئر فجذب ((آلزفير)) البرميل ناحيته وقال لي :

- سانزل انا في هذا البرميل .. وسيتولى هذا الرجل الطيب انزال البرميل ببطء .. وعليك يا جون ان تمسك بطرف هذا الحبل في يدك وسامسك انا بطرفه الآخر في يدي .. ان هذا الحبل طوله ثمانون قدما بالظبط .. وعندما يصبح هذا الحبل مشدودا بين ايدينا فعليك ان تطلب من هذا الرجل الطيب ان يتوقف عن انزال البرميل ..!

لم اقتنع بتلك الخطة وعارضتها فورا .. لانها ستجعلني وحدي مع هذا الرجل الذي لا اثق فيه اطلاقا وقد يكون من الافضل ان انزل انا الى البئر ويبقى ((آلزفر)) مع الرجل .. لانه لانه يستطيع ان يتعامل معه اذا صدرت منه اي نية سيئة . لذلك فقد قلت ((لآلزفر)) وانا انظر اليه نظرات ذات معنى :

- لا .. دعني انزل في البرميل لاني صغير وخفيف الجسم .. وابق انت هنا لمساعدة هذا الرجل الطيب ..!

استحسن ((آلزفر)) هذه الخطة ولكن قد استاء من هذا التغيير الغير متوقع بالنسبة له . لذلك فقد قال الرجل ((لآلزفر)) :

- ان خطتك السابقة افضل كثيرا من هذه الخطة ..

ولكن ((آلزفر)) لم يعر اي التفات لكلمات الرجل بعد ان فهم ما كنت اعنيه بنظرات عيني .. وقرر ((آلزفر)) في النهاية ان يبقى هو مع الرجل وان انزل انا الى البئر ..

وفي الحقيقة فقد كنت اخشى ان يكون الهواء فاسدا في اعماق البئر لذلك فقد استدرت نحو ((آلزفر)) وسالته:

- هل انت متاكد من ان البئر نظيف وان هواءه صالح للتنفس ..؟!

اجاب ((آلزفر)) :

- بالتاكيد .. لقد اختبرته أمس .. وادليت شمعة مشتعلة مربوطة بحبل الى قاع البئر وظلت الشمعة محافظة على شعلتها حتى وصلت الى سطح الماء في البئر .. واي مكان يصلح لاستمرار الشمعة مشتعلة يصلح بالطبع لتنفس الانسان .. وعلى اية حال فلكي تكون مطمئنا سنعيد التجربة امامك .. احضر لنا شمعة ايها الرجل الطيب !

واضطر الرجل الى احضار شمعة وهو مستاء.. وثبت الشمعة في قطعة من الخشب بعد ان اشعلها .. وادلاها بحبل رفيع الى اعماق البئر .. وظلت الشمعة تنزل رويدا رويدا الى ان اصبحت مثل نقطة صغيرة من الضوء حين لامست سطح المياه .. وعندئذ بدأ الرجل يرفع الشمعة مرة اخرى حتى اخرجها خارج البئر .. ثم اخذ حجرا صغيرا والقاه في البئر .. واصطدم الحجر عدة مرات بجوانب البئر اثناء سقوطه.. ثم دوى بصوت عميق مكتوم حين غاص الحجر في مياه البئر .. ونظر الرجل الي وكانه يقول في 
سره: 
هكذا سنسمع صوتك وانت تسقط في هذا البئر ..!!


وتقدم ((آلزفر)) ووضع يده فوق كتفي وسالني:

- هل انت متاكد يا بني من انك قادر على النزول الى هذا البئر ؟!.. اني مستعد ان افقد كل مجوهرات العالم ولا افقدك انت !

فاجبته بكل ثقة:

- نعم .. اني قادر على النزول ولا اخاف .!
***

الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

رواية مونفليت - الفصل الخامس عشر

الفصل الخامس عشر 

سأنتظرك حتى تعود

بقيت لدينا ليلتان كاملتان نقضيهما فى هذا المخبأ قبل ان نبدأ رحلتنا الى (( كاريسبروك)) .. كنت اخشى ان تمر هاتان الليلتان دون ان اتمكن من الذهاب الى (( جريس)) لرؤيتها وتوديعها ..وترددت كثيرا فى اختيار الكيفية التى ابلغ بها (( الزفير)) برغبتى هذه ..

وبينما كنت جالسا مع (( الزفير)) عند فتحة الكهف التى تطل على البحر ونرقب اخر شعاعات من نور الشمس الغاربة ، رأيت ان الوقت المناسب قد حان لاستئذان (( الزفير)) ليسمح لى بهذه الزيارة . وبدأت عرض الموضوع بكلمات هادئة :

_ ياعزيزى (( الزفير)) .. انى اشكر لك اهتمامك بى طوال الفترة الماضية .. لقد انقذت حياتى من موت محقق .. وعالجت قدمى الجريحة الى ان شفيت .. ومنذ حوالى شهرين او اكثر كنت ملازما لهذا الكهف لا ابرحه .. لا ارى فيه شيئا سوىجداران صخرية .. 
وانا اريد ان اتمشى لامرن قدمى على حسن السير بطريقة طبيعية .. اريد ان امشى فوق ارض عشبية ..

قال (( الزفير)) 

_ لاتقل انى انقذت حياتك .. انى على العكس اشعر بأنى السبب فى كل ما تتعرض له الان من متاعب واخطار .. ولو لم افعل ذلك لكنت الان راقدا فوق سرير نظيف فى مون فليت بدلا من رقادك على فراش رملى على ارض الكهف الصخرية . . انى ذاهب الليلة الى بيت يقع فى مكان قريب من هنا .. لان (( راتسى )) قد ترك لنا شيئا فى ذلك البيت .. فتعال معى فى هذا المشوار .. لتتمشى وتتمتع بنسمات الليل ..!

فقلت بلا تردد : 

_ لا يا (( الزفير)) .. انى اريد ان اذهب ابعد من ذلك .. انت تعلم انى ولدت فى (( مون فليت)) .. وعشت فيها طوال حياتى .. واحببت فيها كل شيئ .. اشجارها .. ونهرها .. وكل حجر فيها .. وانا اريد ان القى اخر نظرة على (( مون فليت )) قبل ان اغادرها الى الابد .. وارجو ان تسمح لى بأن اقوم بهذه الزيارة وسوف اعود اليك الليلة التالية . . 

نظر (( الزفير)) نحوى دون ان يتكلم . . وكنت على يقين من انه يعرف نواياى وما اقصده من زيارة (( مون فليت)) .. لذلك فقد خفضت نظرى الى الارض .. وبعد فترة قصيرة تكلم (( الزفير)) دون غضب :

_ جون .. انى اعرف ان الرجال قد يعرضون انفسهم للمخاطر لاسباب مختلفة .. فى سبيل الذهب مثلا .. او فى سبيل الحب .. او بغرض الانتقام .. ولكنى لا اعرف حتى الان رجالا يعرضون انفسهم للخطر لكى يرو شجرة .. او نهارا .. او حجرا ..
ان الناس عندما يقولون انهم يحبو مكان معينا او قرية او مدينة معينة فانهم لا يقصدون انهم يحبون هذه القرية او المدينة كأشياء جامدة .. ولكنهم يحبون شخصا معيننا يعيش هناك .. ولا اعتقد ان هذا الشخص هو خالتك (( مس ارنولد)) .. فهى فهل تريد ان تذهب الى(( مون فليت لكى تراها)) . . ؟!

وطبعا .. حكيت له كل شئ بصدق .. واندهشت كثيرا عندما قال (( الزفير)) : 

_ اعرف ان هذه الفتاة جميلة ذات قلب طيب .. وكان ابوها (( ماسيكو)) لا يستحقها . . ومع ذلك فأنا سعيد الان لانى لم اكن قاتله .. اذهب ياجون وتمتع برؤية النهر والاشجار والاحجار كما تقول .. وسوف اصاحبك فى بعض الطريق الى هناك .. وسوف انتظرك فى الكهف حتى تعود فى الليلة القادمة .. واذا لمتحضر حتى منتصف الليل ، فسوف اعرف انهم قبضو عليك .. وسوف احضر لمساعدتك بكل وسيلة . 

وصافحته بحرارة وشكرت له موقفه . . 

وهكذا بدأنا رحلتنا بعد ان حل الظلام .. واخذنا معنا خبزا وبعض اللحوم ليكون طعاما لى اثناء رحلتى الى (( مون فليت )) والعودة .. وعندما كنا نجتاز الممر الضيق كان (( الزفير)) يرشدنى ويأخذ بيدى خطوة خطوة الى ان خرجنا الى الارض البراح الواسعة .. وكانت السماء صافية تسطع فيها النجوم .. وتهب علينا نسمات المساء الرقيقة الندية .. 

وواصلنا السير فى صمت متمتعين بجمال الليل حتى وصلنا الى البيت الذى ترك فيه (( راتسى )) شيئا (( لازفير)) .. ثم صاحبنى (( الزفير)) حتى وصلنا الى منطقة (( باربيك )) . . وهناك توقف (( الزفير)) عن السير ، وقال وهو يعطينى المسدس الذى كان مملوكا من قبل (( ماسيكو)) :

_ خذ هذا المسدس يا جون .. ولا تستعمله الا اذا واجهت خطر جسيما لا يمكن ان تتجنبه بطريقة اخرى .. واذا اضطررت الى استخدامه فاطلق النار على الاجزاء السفلية من جسم عدوك . . !
***

وعندما بدأت اشعة الشمس تطل على السماء من افق الشرق معلنة تباشير الصباح . . كنت قد وصلت الى التل الذى يطل على ((مون فليت )) كلها .. ومن هذا التل رأيت كل بيوت القرية .. ورأيت حانة (( هواى نوت)) .. ورأيت النهر والبحر .. وكانت هذه المناظر كلها تسعدنى وتحزننى فى نفس الوقت .. 

وعندما اشتدت حرارة الشمس .. واصلت السير الى غابة (( مانور )) وذهبت مباشرة الى مكانى المعتاد الذى كنت اجلس فيه غى الماضى لآرى كل شيئ ببيت (( ماسيكو)) دون ان يرانى احد .. وحيث كنت ارقب (( جريس )) حين كانت تخرج الى الحديقة .. وهناك جلست وتناولت قطعة من الخبز وانا اراقب باب البيت .. واخذت افكر .. هل اذهب واقرع جرس الباب .. واخذت افكر .. هل اذهب واقرع جرس الباب .. او ربما يكون هناك احد يتعرف على ويكشف امرى .. والحقيقة انه بالرغم من تنكرى فى ثياب الفلاحين التى ارتديها الا انى كنت اخاف بالفعل من مقابلة اى شخص لا ينطلى عليه التنكر .. وعلى اية حال ، فقد عزمت امرى .. ومشيت فى الطريق المؤدى الى باب البيت .. 

وقرعت جرس الباب .. 

وسمعت وقع خطوات هينة رقيقة تتقدم نحو الباب من الداخل .. ثم سمعت صوت (( جريس)) العذب الجميل :

_ من هناك . . ؟!

وكدت اصيح قائلا : انا جون ترنشارد يا جريس .. 
ولكنى تذكرت ان من المحتمل ان يكون معها احد فى البيت فيعرفنى .. لذلك فقد قلت وانا اغير نبرات صوتى :

_ انا صبى مسكين .. تهت فى الطريق ولا اعرف اين انا ..!

وعندئذ فتحت (( جريس )) الباب مواربا وسألتنى عن الجهة التى كنت اقصدها .. ونظرت الى دون ان يبدو عليها انها تعرفنى .. فواصلت كلامى بنفس الطريقة :

_ انى صبى فلاح . . جئت سيرا على قدمى من بلدة (( باربيك)) قاصدا حانة اسمها (( هواى نوت)) يديرها شخصا اسمه 
(( الزفير بلوك)) .. !

وعندما سمعت (( جريس )) هذا الكلام اندهشت .. ونظرت الى مرة اخرى ولكنها لم تعرفنى .. وقالت اخيرا : 

_ اذا صعدت معى هذه الدرجات القليلة ، استطيع ان اريك موقع هذه الحانة .. زلكن يبدو انك لا تعرف ان حانة (( هواى نوت)) مغلقة منذ اكثر من شهرين .. وخرجت (( جريس)) من الباب .. وسارت عدة خطوات ، ثم صعدت بضع درجات وانا اتبعها .. 
وعندما اصبحنا وحدنا فى هذا المكان البعيد قليلا عن باب البيت .. قلت لها بصوت منخفض :


_ (( جريس)) .. انا جون ترنشارد .. جئت متخفيا حتى اراك قبل ان اغادر (( مون فليت)) .. ولدى اشياء كثيرة اريد ان اخبرك بها .. هل هناك احد فى البيت غيرك .. ؟!

كان من المتوقع ان اية فتاة يمكن ان تصرخ اذا واجهت مثل هذا الموقف .. ولكن (( جريس)) لم تفعل .. بل قالت بهدوء: 

_ هيا نعود الى البيت .. انا هناك وحدى !

ودخلنا الى البيت ، وما ان اغلقنا الباب من خلفنا حتى وضع كل منا يديه بيد الاخر .. وجلسنا متقابلين ينظر كل منا الى الاخر .. وكانت لحظات سعيدة حلوة تبدو كما لو كانت حلما جميلا فى منام مريح .. 

وقالت (( جريس)) اخيرا: 

جون.. لقد كبرت .. لقد اصبحت رجلا خلال هذين الشهرين الماضيين !

ولاحظت ان (( جريس)) قد كبرت هى الاخرى خلال نفس الفترة بسبب الهموم والمتاعب التى عاقبت موت ابيها .. وفقد وجهها بعض البريق الساحر الاخاذ الذى كان يشع من جبنتيها ووجنتيها ..

وضحكت (( جريس)) كثيرا من ملابس الفلاحين الفقراء التى كنت متنكرا فيها .. ومن الصبغة البنية التى دهنت بها وجهى ويدى ..

ثم ذهبنا الى الحديقة ، وجلسنا فى ركن وراء شجرتين ضخمتين .. وقالت ((جريس)) ان باستطاعتى ان اتسلق احدة هاتين الشجرتين بسهولة واقفز خارج سور البيت اذا ظهر احد او رأينا خطر يداهمنا .. واخبرت (( جريس )) بحقيقة ما خدث لابيها .. وكانت تبكى وانا اشرح لها التفاصيل .. الى ان انتهيت من الحكاية ، وجففت (( جريس )) دموعها .. وسألتنى عن الاصابة بقدمى وهل شفيت منها تماما .. فأجبتها بالايجاب ورويت لها الجهد الذى بذلك (( الزفير)) فى علاجى .. ثم اخبرتها عن الورقة التى عثرت عليها بداخل العلبة الفضية التى كانت مملوكة فيما مضى لذى اللحية السوداء .. وأريتها العلبة الفضية الجميلة التى مازلت محتفظا بها .. وشرحت لها كيف اكتشف سر الكلمات المكتوبة بالحروف الكبيرة وانى ذاهب للبحث عن الجوهرة الثمينة ثم اصبح من اغنى الاغنياء فى هذه البلاد .. 

وعندئذ قالت (( جريس)): 


- آعه جون .. لا تفكر كثيرا في امر تلك الجوهرة ولا تحاول الحصول عليها .. لقد كانت مملوكة لرجل سيئ ولن يكون ورائها شئ سوى التعاسة وحتى لو عثرت عليها يا جون فبعها وانفق ثمنها لمساعدة الفقراء .. والا حلت لك التعاسة انت ايضا..!

وضحكن مما قالت ((جريس)) .. ولكنني لم اخبرها باني اريد ان اكون غنيا لسبب واحد ..هو ان اتزوجها . 


وتواصلت بيننا احاديث طويلة طيبة .. واحضرت لي ((جريس)) خبزا ولحما ساخنا وبعض الفواكه من داخل البيت .. وطلبت مني ان استريح وانام بعض الوقت بعد ان اخبرتها اني لم انم الليلة الماضية لان الرحلة الطويلة استغرقت طول الليل .. وتركتني وعادت الى البيت ... واستغرقت في نوم جميل هانئ في ذلك الركن الهادئ خلف الشجرتين ..

وعندما استيقظت وجدت ((جريس)) جالسة الى جواري وقد احضرت معها بعض الطعام وبعض اللبن لاخذه معي في رحلةالعودة ..

كانت النسمات قد اصبحت باردة على نحو لطيف .. وكانت الشمس قد اوشكت على المغيب وراء خط الافق وبدات تباشير المساء تغطي اضوراء الشفق .. وترخي استار الظلام رويدا رويدا ... ووقفنا متقابلين وكل منا يمسك بيدي الاخر .. تماما مثلما فعلنا حين التيقينا في الصباح .. وقالت ((جريس)) بصوت جميل عذب:

- جون .. عندما تتجول داخل البحر .. او عندما تكون قادما الى ((مون فليت)) من جهة البحر .. وهذا ما ارجو حدوثه في يوم ما .. سترى شمعة مضاءة خلف نافذتي .. ساحرص على اضائتها كل ليلة حتى تعود .. تماما كما كنت افعل في الماضي .. وعندما ترى نور الشمعة في نافذتي .. اعرف جيدا ان جريس مازالت تذكرك وتنتظرك .. اما اذا جئت يوما ولم ترى نور الشمعة فاعلم ان ((جريس)) قد ماتت ..!
***

رواية مونفليت - الفصل الرابع عشر

الفصل الرابع عشر

الشفاء

وبعد ان اعد لي آلزفر فراشا من الرمل الجاف .. ارقدني عليه وهو يقول :

- انه ليس سريرا مريحا .. ولكن من المؤكد ان هناك اماكن اخرى للنوم اسوا منه بكثير .. وعلى اية حال فان الازم والضروري ان ترقد هنا لمدة شهر او ربما شهرين حتى يلتام الجرح في قدمك وتعود اليك عافيتك تماما ..!

ولكن بينما كان ((آلزفر )) يتكلم .. كنت اشعر بالم شديد يكاد يحطم راسي .. وطلبت ان اشرب بعض الماء .. فاحضر لي ((آلزفر بعض الماء في قبعته وشربت وانا اشعر ان راسي تدور وتدور .. ولم اشعر بما حدث بعد ذلك واصبحت بغيبوبة كالمة استمرت عدة ايام.. اخبرني ((آلزفر))بعد ذلك اني كنت افز من غيبوبتي تلك واصرخ واهذى .. ولكنه كان يقوم بتهدئتي ويحرص على راحتي .. وكان لا يترك الكهف اطلاقا الا اذا اضطر الى احضار بعض الطعام ..

وبعد ان خفت عني وطاة المرض وبدات اتمايل الى الشفاء .. اصبحت نحيفا وفي غاية الضعف .. ولم اعد افعل شيئا سوى الرقاد على الفراش الرمالي لا افكر في شئ ولا ازعج نفسي بالاهتمام بشئ ..وآكل كل ما يقدم الي من طعام ..

ولم يكن احد يعرف سر وجودنا بهذا الكهف سوى ((راتسي)) الذي كان يحمل لنا الطعام بين الحين والآخر ويخبرنا بآخر اخبار ما يحدث في ((مون فليت))..وقال لنا ان الجنود مازالو يبحثون عنا في كل مكان .. وانهم كانو يظنون في البداية اننا سقطنا في البحر .. وقد قال الجنود ذلك حين احضروا جثة ((ماسكيو)) الى ابنته .. ولكن هذا الوضع تغير عندما اخبرهم صبي صغير بانه راى واحدا من المهربين ومعه صبي مصاب في قدمه ..وان هذا المهرب خطف منه بندقيته وباروده .. ولهذا فقد اعلن قائد الجند عن مكافئة قدرها خمسون جنيها لمن يقبض على ((آلزفر بلوك)) ... ومكافاة اخرى قدرها عشرون جنيها لمن يقبض على الصبي ((جون ترنشارد)) ...

وهكذا مرت الايام..

وبدأت استعيد صحتي وعافيتي .. وبدأ ((آلزفر)) يتحدث عما سوف نفعله بعد ان نغادر الكهف .. وقال انه علينا ان نذهب الى ((نيو بورت)) ومن هذا الميناء نركب سفينة المهربين((بون ادفنشر)) ونذهب بها الى فرنسا .. ونختبئ هناك الى ان يكف الجنود عن البحث عنا .. 
وفى احدى الامسيات العاصفة ، كان (( الزفير)) قد ذهب الى بلدة بول القريبة بعد ان علم ان السفينة (( بون ادفنشر)) ستكون موجودة هناك وليتفق مع بحارتها على الموعد المناسب لرحلتنا ..

كنت اجلس خارج الكهف لكى اطل على البحر الصاخب الذى كانت امواجه العاتية تتلاطم بعنف فوق صخور الشاطئ .. وخيل الى انى رايت منظرا غريبا .. خيل لى انى رايت (( ماسيكو)) راقدا على الارض مكتوف اليدين والقدمين ومع ذلك فقد كان يضحك لى .. او يضحك على .. لا ادرى.. 

قمت ودخلت الى الكهف واشعلت شمعة وفتحت العلبة الفضية التى عثرت عليها فى تابوت ذى اللحية السوداء .. واخرجت الورقة الصغيرة ذات الكتابة الغامضة .. واخذت أقرأها مرة اخرى : 

قد يعيش الرجل ثمانين عاما ..
يمشى قدما قدما تحت سيل الدموع..
فالشرب من بئر السعادة ..
لان الموت سيأتى حتما ..
من جهة الشمال او الجنوب ..

(( جون موهون)) 

وفجأة سمعت حركة فى الممر الموصل الى الكهف .. وسمعت وقع خطوات لشخص قادم .. انه ليس (( الزفير)) لان (( الزفير)) لن يعود من مشواره قبل عدة ساعات فمن ياترى يكون قادم ؟! .. واطفأت الشمعة .. وامسكت بالبندقية التى كانت موضوعة على جانبى ، وصحت فى الظلام : 

_ من القادم هناك ؟!

توقفت الخطوات ولكن احدا لم يرد .. فكررت الصياح مرة اخرى وبصوت اعلى :

_ من القادم هناك .. اجب والا سوف اطلق النار . . !!

وهنا اجاب القادم : 

_ انا (( راتسى)) ايها المجنون الصغير .. هل ستطلق النار على اعز صديق لك .. وبالبندقية التى احضرتها اليك . . ؟!

وهكذا انزلت البندقية ، واعدت اشعال الشمعة .. ورأيت راتسى امامى . . !

كانت ملابسة مبتلة بسبب الامطار الغزيرة التى هطلت عليه عليه فى طريقه الى هنا .. ولكنه كان مسرورا برؤيتى وقال وهو يمسك بيدى : 

_ جون .. ان ما حدث لك طول الشهرين الماصيين قد حولك من صيى الى رجل .. لقد كنت مجرد صبى صغير حين خرجت معنا فى عملية رأس هور .. لم يكن من الصواب ان تخرج معنا فى ذلك الصباح .. ان مثل هذه الاعمال لا تناسب صبيا فى مثل سنك ..

وبالرغم من اقتناعى بصحة كلامه الا اننى قلت بصدق :

_ لا يا (( راتسى)) .. اينما سيذهب (( الزفير)) سأذهب معه .. واينما ابقى سأبقى ..

وجلست فوق فراشى الرملى .. وبدأت العاصفة تشتد فى الخارج .. وتسلل الهواء الى داخل الكهف فأطفأ الشمعة .. وصاح (( راتسى)) :

_ يالها من ليلة عاصفة باردة .. كان الله فى عوننا .. فقلت مؤيدا :

_ نعم .. وكان الله فى عون البحارة والرجال الذين يعملون فى السفن التى تجوب البحر فى تلك العاصفة ..

وقال راتسى :

_ حقا .. من المحتمل اننا سنجد بعض القوارب والسفن الصغيرة محطمة على الشاطئ (( مون فليت)) 

صباح اليوم التالى بعد هدوء العاصفة .. دعنا نشعل بعض النار ..!

واشعلنا النار فى بعض الاخشاب وفروع الاشجار .. واحسسنا بالدفء .. وقال (( راتسى)) وهو يفرك يديه :

_ كنت موشكا على الموت متجمدا من شدة البرد .. كم هى جميلة تلك النار .. وكم هى مفيدة للانسان .. هل تعلم يا جون ان لى ذكريات حزينة فى هذا المكان ؟ .. فمنذ حوالى اربعين عاما .. عندما بدأت اعمل فى تهريب البضائع .. كنت جالسا فى نفس هذا المكان بداخل هذا الكهف .. وفجأة سمعت اصواتا تصرخ .. وصوت سفينة ترتطم بصخور الشاطئعدة مرات . وكل من كان عليها رجال ونساء واطفال كانو يصرخون للنجدة وانقاذهم من السفينة الغارقة .. وعندما خرجنا لنستطيع الامر لم نستطع ان نرى شيئا بسبب شدة الظلام وشدة هطول المطر .. 
وفى الصباح اليوم التالى علمنا ان السفينة (( فلوريدا)) 

_ وهى سفينة جيدة - قد غرقت بكل من عليها من رجال ونساء واطفال ..

وصمت (( راتسى)) قليلا بعد ان استعاد احزان هذه الذكرى .. وبعد ذلك اخرج ورقة من جيبه واعطاها لى كى اقرأها .. وكانت الورقة عبارة عن اعلان بمكفأة قدرها 50 جنيها لمن يرشد الى مكان العثور على (( الزفير بلوك)) ومكفأة اخرى قدرها 20 جنيها لمن يساعد الجنود فى العثور على (( جون ترنشارد)) ..

وقال ((راتسى )) ليطمئننى : 

_ لا احد فى (( مون فليت)) يعلم شيئا عن مكان اختفائكما .. وحتى لو علمو فلن يقبل احد ان يرشد اليكما .. ولكن الجنود يراقبون كل تحركاتى .. واينما اذهب اراهم يتتبعون خطواتى .. وقد يكون من الافضل ان امتنع على المجيئ الى هذا الكهف مرة اخرى حتى لا يكون هناك من يراقبنى ويعرف بالتالى سر المكان .. 

وعندما اخبرت (( راتسى)) بأن (( الزفير )) قد ذهب الى بلدة (( بول )) ليتفق مع بحارة السفينة (( بون ادفنشر)) على سفرنا الى فرنسا .. شعر (( راتسى)) بكثير من الفرح والارتياح لهذا القرار .. ولكنه بعد ذلك صمت قليلا .. ومد يديه ليدفئهما اما النار .. 

وقال فى صوت حزين :

_ ان قلبى مملوء بالحزن يا جون.. لقد راحت الايام السعيدة الماضية .. و (( الزفير)) لن يستطيع العودة الى (( مون فليت)) مرة ثانية .. وحانة (( هواى نوت)) مغلقة لان (( ماسيكو)) قد مات قبل ان يبدأ العمل فيها .. و (( جريس)) ابنة (( ماسيكو)) بنت صغيرة ومسكينة .. نحيفة وبيضاء مثل الزهرة .. 
هل تعلم يا جون انها لم تصدق الرجال الذين قالوا لها انك انت و (( الزفير)) اشتركت فى قتل ابيها .. بل وقالت لهؤلاء الرجال ان (( الزفير)) لا يمكن ان يقتل رجلا فى مثل الحالة التى كان عليها ابيها بعد ان امسكوه .. وحتى لو كان الزفير قد شرع فى قتل ابيهاانتقاما لقتل ابنه (( دافيد)) فهى تعلم جيدا ان (( جون ترنشارد)) سيبذل كل جهجه ليمنعه .. !
كانت هذه الكلمات التى قالها (( راتسى)) اعذب فى اذنى من صوت الموسيقى .. لقد جعلتنى اشعر بأنى محل ثقة (( جريس)) وانها مازالت تذكرنى بخير .. 
لذلك فقد قلت لراتسى انى لابد ان ارى (( جريس)) واخبرها بنفسى عن كل شئ مما حدث .. لا بد ان اراها قبل ان اغادر من انجلترا الى فرنسا .. وعندئذ نظر الى راتسى نظرة متسائلة وقال :

_ حقا ان (( جريس)) بنت جميلة وبيضاء مثل الزهرة .. ولكنها مازالت صغيرة .. وربما ستكون خير زوجة لك عندما تصبح رجلا .. وذلك اذا قبلت هى الزواج منك !

ووضع (( راتسى )) بعض الاخشاب فى النار فازدادلهيبها فشتعلت ووفرت لنا مزيدا من الضوء وعندئذ رايت ورقة ذى اللحية السوداء التى كنت اقرأها عندما سمعت خطوات (( راتسى)) حين كان قادما من الممر المؤدى الى الكهف .. وكانت الورقة الصغيرة ملقاة الى جانب قدمى (( راتسى)) . . فالتقطها وتفحصها قليلا ثم قال : 

_ ماهذه الورقة ياجون .. انها مكتوبة بطريقة رديئة .. وفيها بعض الكلمات مكتوبة بأحرف كبيرة فى الوقت التى كان يجب ان تكتب بأحرف صغيرة ..!

واعطانى الورقة ، ونهض واقفا ثم قال : 

_ يبدو اننى لن استطيع ان انتظر (( الزفير)) اكثر من ذلك .. وعندما يعود اخبره بالذى قلته لك ..
وعليكما ان تسرعا بمغادرة هذا المكان فى اقرب وقت .

وودعنى (( راتسى)) وانصرف ..

والتقطت الورقة الصغيرة وعاودت قراءتها .. ولاحظت بالفعل ان هناك كلمات كتبت بحروف كبيرة فى حين ان الصحيح ان تكتب بحروف صغيرة .. كيف لم الاحظ هذا من قبل .. وببساطة شديدة وجدت ان الكلمات التى كتبت بالحروف الكبيرة هى :-


ثمانين . . قدما . . تحت . . بئر . . جهة الشمال

لقد انكشف سر الجوهرة اذن .. فمعنى هذه الكلمات ان الجوهرة مخبأة فى(( بئر))على عمق(( ثمانين قدما)) (( من جهة الشمال )) .. ولكن الشمال ماذا ؟ ! 
واستغرقت فى التفكير لحل هذا اللغز الجديد .. ودب فى عينى النعاس فنمت فترة .. وعندما استيقظت لاحظت ان النار مازالت مشتعةوان (( الزفير)) جالسا امامها ويعد بعض الطعام .. فقال حينما رأنى مستيقظا :

- هذه ثانى مرة ياجون تنام فيها حين يجب عليك ان تبقى مستيقظا لمراقبة المكان .. ! 

اعتذرت له .. واخبرته بأمر تلك الكلمات المكتوبة بحروف كبيرة فى ورقة ذى اللحيةالسوداء .. والمعنى الذى تشير اليه تلك الكلمات .. فقال (( الزفير )) .. 

- يبدو انك محق فى هذا الظن .. ولكن ماهو البئر المقصود ؟ .. انا اعرف جميع الابار فى (( مون فليت)) .. وليس بينها بئر واحد عمقه يصل الى ثمانين قدما .. وربما يكون هذا البئر الذى المقصود فى ورقة (( جون موهون )) يقع فى منطقة خارج (( مون فليت)) .. وربما يكون فى قلعة (( كاريسبروك)) التى كان (( جون موهون)) ذو اللحية السوداء يقوم فيها بحراسة الملك السجين .. انا اعرف ان هناك بئرا داخل تلك القلعة .. فهيا بنا نذهب الى تلك القلعة .. ان لدى اصدقاء مخلصين فى القرية المجاورة لتلك القلعة .. ويمكننا ان نختبئ عندهم فى امان . .
كما ان المنطقة التى تقع فيها هذه القرية اكثر امنا من مكاننا هذا . . !

وهكذا قررنا ان السفينة (( بون ادفنشر)) ستأخذنا الى (( كاريسربوك)) بدلا من فرنسا .. وفى اليوم التالى احضر (( الزفير)) سائلا بنيا صبغ به وجهى .. وتنكر هو بحلق لحيته .. وغيرنا ملابسنا بملابس فلاح وصبيه .. وعندما نظر كل منا الى الشخص الاخر بعد هذا التنكر الجيد ، تأكدنا ان احدا لن يعرفنا فى هذا الزى الجديد .. !
***

رواية مونفليت - الفصل الثالث عشر

الفصل الثالث عشر

الكهف

مازلنا في الصباح المبكر ولكن قرص الشمس اخذ يصعد الى السماء ويتللألأ نوره فوق مياه البحر .. ووقدنا على اعشاب لستريح قليلا بعد تسلق هذا لطريق الوعر المخيف .. وبعد دقائق هب ((آلزفر)) واقفا وقال :
- هيا يا جون..فمازالت امامنا مهمة صعبة اخرى .. ان علينا ان نعتني بقدمك الجريحة ونعالجها ..وعلينا ان نغادر هذا المكان بالرغم من ان الجنود لو صعدو الى قمة ((رأس هور )) مرة اخرى فلن يخطر في بالهم اننا في هذا المكان الآمن البعيد عن الطريق الصاعد العادي ..ولابد ان نتحرك الآن لنجد مخبا نختبئ فيه حتى نعالج قدمك .. وانا اعرف مكانا جيدا وآمنا اسمه ((كهف جوزيف)) وهو يبعد نحو سبعة اميال من هنا .. وقد تستغرق الرحلة النهار كله .. لاني مضطر للسير ببطء وانا احملك .. 

وحملني ((آلزفر)) بين ذراعيه .. وبدا السير مخترقا مساحة من الحقول الواسعة .. وكان الالم في قدمي يشتد كل لحظة .. واخذت حرارة الشمس تشتد هي الاخرى .. وبدأت خطوات ((آلزفر)) تتباطأ وتصبح ثقيلة .. الى ان وصلنا الى بقايا حائط مهدم وهناك وضعني ((آلزفر)) على الارض وارتمي ارضا والن انه متعب ولا يستطيع مواصلة السير .. وطلب مني ان اظل مستيقظا واستمر في مراقبة المكان .. واستغرق هو في النوم خلال دقائق..

وكان الهواء يهب لطيفا دافئا ونحن محتمين بظل بقايا الحائط .. وبدأت اقاوم النعاس .. ولكني فشلت .. وبالرغم من اني مكلف بالحراسة ومن الواجب ان اظل مستيقظا الا ان النوم غلبني في النهاية ..
ولا ادري كم مر من الوقت .. ولكني استيقظت مفزوعا على صوت طلقة دوت في مكان قريب .. وعاودني الالم الشديد في قدمي بعد ان سكن قليلا اثناء نومي .. وتحركت لاوقظ ((آلزفر)) ولكني وجدته مستيقظا ووضع اصبعه امام فمه اشارة لي بان اسكت والزم الصمت دون حركة .. وزحف هو خلف الحائط واختبأ وراء شجرة حتى يستطلع الامر دون ان يراه احد .. وبعد فترة وجيزة عاد واخبرني :

-انه ولد صغير يصطاد الطيور ببندقية .. وعلينا الا نتحرك الا اذا جاء الصغير نحونا ..!

وبعد نحو دقيقة من المراقبة قال ((آلزفر)) :

- ها هو الصبي قادم نحونا .. لابد ان نريه انفسنا ..
وهب ((آلزفر)) واقفا ورآه الصبي وخاف الصبي وبدأ يجري .. فنادى عليه:
- هاه ايها الصبي .. ماذا تعمل هنا ..؟!
وتوقف الصبي عن الجري واجاب :
- اني اصيد الطيور للفلاح ((توب)) ..
وساله ((آلزفر)) :
- هل لديك بارود كاف .. هل يمكنك ان تعطيني بعض البارود لاني اريد ان اصيد ارنبا بريا من اجل عشائي .. ولكن ليس معي بارود لاحشي به مسدسي ..!
واجاب الغلام :
- نعم لدي قليل من البارود .. ولكني احتاجه لصيد الطيور .. ولا ساتعرض للضرب ..!
فقال ((آلزفر)) :
- لا عليك ايها الصبي .. اعطني بعض البارود وسوف اعطيك قطعة كبيرة من النقود ..

واخرج ((آلزفر)) من جيبه قطعة كبيرة من النقود ووضعها بين اصابعه ليغري بها الصبي الذي لمعت عيناه حين راى النقود التي يمكن ان يحصل عليها ..ولذلك فقد قال ((آلزفر)) على الفور:

-اعطني كل ما معك من بارود وسوف اعطيك قطعتين من هذه النقود ..

وبكل سهولة اعطى الصبي كل ما معه من بارود الى ((آلزفر)) .. واخذ الصبي نقوده ..واراد ((آلزفر)) ان يكمل الصفقة فقال للصبي :
- بعني البندقية ايضا..
وهنا رفض الصبي هذا العرض وقال :
- لا .. ان الناس يقولون ان هناك بعض المهربين قد هربو من هذه المنطقة وان جنود الملك يبحثون عنهم للقبض عليهم ..

فقال ((آلزفر)) دون تردد :
- ولهذا السبب بالذات اريد ان اشتري منك البندقية لادافع بها عن نفسي ضد المهربين الذين لا يمكن ان يلحقو بك اذى لانك صبي صغير ولا تهتم في شئ .. وسوف اعطيك قطعة ذهبية ..ها هي !

واخرج ((آلزفر)) من جيبه قطعة ذهبية واعطاها للصبي الذي اعطاه البندقية وانصرف .

***
لا ادري ما الذي جعلني لا اثق بهذا الصبي .. وظللت اراقبه بعد ان انصرف .. ولاحظت انه كان يسير متمهلا في البداية ثم سرعان ما اظلق قدميه للريح واخذ يجري .. واخبرت ((آلزفر)) بما افكر فيه وقلت له اني اشك في هذا الصبي سيذهب ليحبر الجنود بانه راى المهربين ويعرف مكانهم .. فقال ((آلزفر)) :
- علينا في هذه الحالة ان نختفي فورا وعلينا ان نسير باقصى سرعة .. وعلى اية حال فان الكهف الذي نقصده قريب من هنا .. وعلى مسافة بسيطة .. هيا يا جون..!
وحملني ((آلزفر)) مرة اخرى .. وانطلق مسرعا ولكن بحذر .. وظل محتميا ببقايا الحائط الى ان عبرنا منطقة الحقول ووصلنا الى ارض واسعة يغطيها العشب وبجوارها تل منخفض ويبدو انه كان متحجرا في الماضي خيث يظهر جانبه وعليه الاثار التي تركتها الاحجار المقطوعة .. وعند سفح هذا التل كانت هناك بعض البيوت الصغيرة الخالية التي تركها الحجارون الذين كانو يعيشون هنا منذ زمن مضى ..

ولاحظت ان هناك ثقبا عميقا في الارض تؤدي اليه بعض درجات مقطوعة من في الحجر .. وبداخل هذا الثقب لا يوجد شيئ سوى ظلام دامس ..وضعني ((آلزفر)) على الارض جوار مدخل الثقب وقال وهو يشرح لي الموقف :- ها هو (( كهف جوزيف)) الذي حدثتك عنه .. وهنا سوف نختبئ الى ان تشفى قدمك تماما .. ولن يستطيع احد ان يعثر علينا هنا .. ان هذا الثقب يؤدي الى ممر طويل متعرج محفور بداخل التل .. وفي نهاية هذا الممر يوجد كهف واسع وله مخرج على البحر .. وفي هذا الكهف سنعيش الى ان تشفى قدمك ..

واسترحنا الى دقائق قليلة ثم حملني ((آلزفر)) بين ذراعيه وبدأ يهبط بعض الدرجات داخل الثقب ثم بدأنا نسير داخل سرداب ضيق ذي صخو رمدببة على جانبيه وفي السقف المنخفض فوق رؤوسنا .. ولكن كان من الواضح ان ((آلزفر)) يعرف المكان جيدا الى ان وصلنا الى نهاية الكهف المنشود .. وهو كهف كبير وواسع يتسرب اليه ضوء النهار خلال فتحة بعيدة .. ويهب بداخله هواء بارد ومنعش ومتجدد .. ولهذا فقد عرفت ان البحر ليس بعيدا عن هذا الكهف ..

الثلاثاء، 14 أكتوبر 2014

رواية مونفليت - الفصل الثاني عشر

الفصل الثانى عشر 

تسلق الطريق الخطر

لقد اصبحنا امنين الى حد ما من طلقات الرصاص .. ولكن الى اى مدى يمكن ان يستمر هذا الامان ؟ !

.. ان الجنود سيهبطون من قمة الرأس الى ارض الشاطئ ويمكن عندئذ قتلنا او القبض علينا بكل سهولة .. وليس معنا اى سلاح يمكن ان ندافع به على انفسنا سوى مسدس خال من الرصاص .. وسألنى (( الزفير)) :

_ الا يمكنك ان تقف على قدميك يا جون؟! .. هل اصيبت عظام قدميك .. ؟1

قال ذلك وهو يمسك بقدمى اليسرى وحركها حركة بسيطة جدا ، ولكنها كانت كافية لتشعرنى بالم فظيع لا يطاق .. فقلت انا احاول تحمل الالم :

_ لا لااستطيع الوقوف.. وشعرت ان الدماء تستل داخل حذائى ..!


وقال (( الزفير)) : 


_ انا لا نستطيع ان نعالج قدمك هنا ، وليس امامنا سوى ان نربطها بقطعة من القماش بصفة مؤقتة حتى نخرج من هذا الكمين .. فليس امامنا سوى اقل من خمسة عشر دقيقة يكون الجنود قد هبطو خلالها من قمة الرأس حتى الشاطئ .. وعندئذ سيقبضون علينا احياء ويشنقوننا فى (( دور شستر)) ..!

***


وبالرغم من معاناتى شدة الالم فى قدمى .. تصورت كم سأكون سعيدا لو انى الان راقد على سريرى فى حانة (( هواى نوت)) او حتى جالسا بلا عمل فى بيت خالتى .. واحس (( الزفير)) بما اعانيه وقال :
 

_ لاتفقد الامل ياجون .. مازالت امامنا فرصة وحيدة يمكن ان تنقذ حياتنا .. ولكنها فرصة صعبة .. بل فى غاية الصعوبة .. انى اعرف ان هناك طريق وعر جدا وضيقا يؤدى الى قمة رأس هور وهو طريق وعر وخطر ومن المؤكد ان الجنود لا يعرفون وجوده .. وحتى لو كانو يعرفونه فلن يستطيعو المجازفة بالسير فيه فى حين ان لديهم الطريق المعتاد الهابط من القمة الى ارض الشاطئ .. وهو الفرصة الوحيدة لنجاتنا .. وارجو ان تبعد الخوف عن قلبك .. وان تكون على استعداد لتحمل المخاطرة فى تسلق هذا الطريق الضيق الخطر حتى نصل الى قمة (( رأس هور)) فى نفس الوقت الذى يكون الجنود قد هبطو فيه الى ارض الشاطئ .. وبذلك ننجو بحياتنا من هذا الكمين .. وسوف احملك فوق ظهرى واتسلق بك .. وعندما نصل الى بعض الاماكن الضيقة جدا والاكثر وعورة والتى لا تسمح بجتيازها وانا احملك على ظهرى فعليكفى هذه الحالة ان تجتازها بمساعدتى وانت تزحف على يديك وركبتيك .. فهل انت على استعداد ياجون لتتحمل هذه المجازفة .. ؟!


فقلت بلا تردد : 


_ طبعا يا عزيزى (( الزفير)) .. وعلينا الان فورا ان نخاطر ونسلق الطريق الوعر .. وحتى لو سقطنا من اعلى تلك الصخور المدببة فسوف يكون هذا افضل بكثير من الوقوع فى ايدى الجنود والموت شنقا فى نهاية الامر ..!


وهممت بالوقوف على قدمى ظنا منى انى استطيع السير ببطئ وبقدم تعرج .. ولكنى سقطت فورا على الارض وانا اصرخ من شدة الالم .. فحملنى (( الزفير)) بين ذراعيه واتجه نحو بداية الطريق الضيق الصاعد الى اعلى بميل شديد .. ومن هناك القيت اخر نظرة على (( ماسيكو)) الراقد ميتا ووجهه متجها نحو السماء .. 


ووضعنى (( الزفير )) على الارض ليستعد الى حملى فوق ظهره بطريقة مريحة قبل الشروع فى الصعود وتسلق هذا الطريق المرعب الخطر .. وفى اثناء ذلك نظرت الى اعلى وفحصت جزءا من هذا الطريق الذى يجب علينا ان نتسلقه فأصبت بالذعور وبخوف جمد اطرافى .. فقد كان الطريق ضيقا جدا ومائلا الى اعلى بطريقة حادة تجعل من الصعب على المرء ان يجتازها دون ان يسقط فى البحر ، وتسللت الى انفى رائحة نتنة .. ورأيت بقايا بقرة كانت قد سقطت من اعلى القمة .. من شدة احساسى بالرعب اقتنعت بأن البقاء هنا والاستسلام للجنود قد يكون افضل بكثير من النجاة بعد تسلق هذا الطريق الوعر المستحيل .. ولذلك فقد رجوت (( الزفير)) ان يسرع هو بالهرب وان يتركنى لمصيرى هنا .. فقال (( الزفير)) مشجعا : 


_ هيا ياجون .. ليس هناك وقت للتراجع او لتغيير خطتنا .. ماهى الا خمس عشر دقيقة ونصل الى القمة سالمين .. وعندئذ سيكون امام الجنود ساعة كاملة ليصلو الى القمة مرة اخرى ليعاودو مطاردتنا وعندما يعثر الجنود على جثة ماسيكو سيقضون وقت للبحث فى الامر ومعنى هذا اننا سنكسب وقتا اضافيا هيا ياجون دعنى احملك على ظهرى واغمض عيناك ولا تفتحها الا اذا طلبت منك ذلك .. !


وحملنى الزفير فوق ظهره .. واغمضت عينى كما امرنى وبدأت اشعر بوقع خطواته البطيئة وهو يصعد هذا الطريق الضيق الوعر .. وكان من الواضح ان (( الزفير)) كان يتحسس موضع قدميه وهو يتقدم خطوة خطوة .


وبالرغم من انى كنت مغمضا عينى لا ارى شيئا فقد احسست من اننا قد تسلقنا مرحلة لا بأس بها ..

وارتفعنا الى منطقة هبوب الرياح .. كما احسست ان خطوات الزفيراصبحت اكثر صعوبة وتكلم (( الزفير )) اخيرا :
_ جون .. سوف اتوقف عن السير الان .. وسوف اضعك على الارض بعد ان انزلك من فوق ظهرى .. واحتفظ بعينيك مغمضتين ولا تفتحهما الان.. ان الطريق اصبح ضيقا جدا فى هذه المنطقة ولا يسمح بأن امر وانا احملك فوق ظهرى .. وعليك الان ان تزحف على يديك وركبتيك حتى نتمكن من اجتياز تلك المنطقة الضيقة .. ويمكنك ان تفتح عينيك وانت تزحف .. ولكن ركز نظراتك على جانب الصخرة ولا تنظر الى اسفل اطلاقا .. !

وعندما فتحت عينى ودت ان عرض الطريق لا يزيد عن قدم واحد وهى مسافة تجعل من المستحيل ان يعبرها انسان زحفا على قدميه .. لكن ليس امامى سوى ان ازحف وازحف .. بالرغم من الالم الفظيع الذى كنت اعانيه وانا اجر قدمى المصابة .. وقال ((الزفير)) مشجعا :


_ هيا ياجون .. اسرع قليلا .. لم يبقى سوى ان تزحف خطوة او خطوتين .. ويمكننى بعد ذلك ان احملك فوق ظهرى مرة اخرى .. هيا اسرع وكن حذرا .. !


واخيرا اتسع الطريق قليلا ونجحنا فى اجتياز المنطقة الوعرة الخطرة .. وتقدم الزفير وحملنى على ظهره .. ولكنى فتحت عينى فجأة ونظرت الى اسفل ونظرت منظرا مرعبا يثير الهلع .. كانت مياه البحر البحر الزرقاء تبدو بعيدة جدا من هذا الارتفاع .. وكانت طيور البحر تحلق تحتنا وكان الممر ضيقا وشديد الوعورة واية زلت قدم معناها نهايتنا .. وتذكرت مصير البقرة المسكينة التي سقطت من اعلى . فندت عندي صرخة رعب وهلع .. فانزلني ((آلزفر)) من فوق ظهره ورقدت على ارض الممر الضيق والخوف يملا قلبي ..وقال ((آلزفر)) :

- تشجع يا جون .. الم اطلب منك ان تغلق عينيك ولا تفتحهما الا اذا سمحت لك بذلك ؟! .. لقد تسلقنا لمدة عشر دقائق كاملة ولم يبقى امامنا سوى خمس دقائق اخرى ونصل الى نهاية هذا الطريق .. هيا اغلق عينيك مرة اخرى .. ولا تفعل شيئا سوى ان تعد الارقام .. واحد .. اثنان ..ثلاثة ..وهكذا حتى ننتهي من اجتياز المسافة الباقية ..
قلت يائسا:


- لا استطيع يا ((آلزفر)) ..لا استطيع ..!
فنظر ((آلزفر الى اسفل نحو ارض الشاطئ وقال:
- هاهم الجنود قد هبطو اخيرا الى ارض الشاطئ .. لقد عثرو على ((ماسكيو)) .. واذا بقينا هنا لمدة دقيقة اخرى فسوف يكون في استطاعة الجنود ان يرونا ونحن في هذا المكان ..اما اذا تقدمنا قليلا فان الطريق ينحني ولن يتمكن الجنود من رؤيتنا ..هيا يا جون ..تشجع!

ان العقل البشري شئ غريب .. فالخوف الاكبر والاخطر يتغلب على الخوف الاصغر والاقل خطورة .. وتلاشت كل مخاوفي من اجتياز الطريق الضيق الوعر ..المرتفعة كل هذا الارتفاع الهائل .. والتي تحيط بها الاخطار من كل جانب .. وواصلت الزحف على يدي وركبتي .. و((آلزفر)) يساعدني ويشجعني .. وبعد خمس دقائق من العذاب .. وصلنا الى قمة الطريق .. وارتمينا على الارض نلتقط انفاسنا ..!
***

رواية مونفليت - الفصل الحادي عشر

الفصل الحادى عشر 

مصرع ماسيكو 


فى الحقيقة انى كنت انوى اللحاق بالرجال ، حتى لا ابقى بهذا المكان وارى المنظر الذى اتوقع حدوثه .
وقد انصرفت بالفعل ، ولكن (( الزفير)) نادانى :

_ انتظر ياجون .. لا تذهب .. فقد تكون مفيدا 
وطبعا توقفت وانتظرت .. وأخذت اخمن كيف سأكون مفيدا .. واية فائدة ترتجى منى فى مثل هذا الموقف .

كان (( ماسيكو)) جالسا فوق الرمال ، وظهره مسنود على صخرة ، وكتوف اليدين والقدمين باحكام ، كما ان يديه كانتا موثوقتين خلف ظهره .. ونظرات عينيه موجهه فى ذلة نحو الارض .. اما وجهه فكان ناصع البياض من شدة الشحوب..

وكان (( الزفير )) واقفا قبالته وهو يحمل مصباحا خافت الضوء وينظر الية فى احتقار شديد .. وكانت تصل الى اسماعنا فى البداية اصوات وقع اقدام الخيول المحملة بالبضائع الثقيلة وهى تدب فوق صخور الطريق الصاعد .. الا ان هذه الاصوات كانت تخفت بالتدريج الى ان تلاشت تماما بعد ان انحنى الطريق تجاه البحر .. وحل الصمت الذى يخفى وراءه ما يخفى .. وظل (( الزفير)) موجها نظراته نحو (( ماسيكو)) الذى يحاول التظاهر بأنه شجاع وقوى 
وقال :


_ انا موظف لخدمة القانون .. واذا لم تفك قيودى وتطلق سراحى فسوف اطالب بشنقك !

كانت كلماته شجاعة فعلا .. ولكنها شجاعة غير حقيقية لان صوته كان ضعيفا ومرتعشا ..


واجاب (( الزفير)) بثبات كما لو كان قاضيا يحاكم سجينا :


_ لا تحدثنى عن الشنق والمشنوقين .. انك بعد الان لن تستطيع ان تشنق احدا .. ولن ترى بعد الان انسانا مشنوقا .. لقد كنت ترقب الشمعة التى رشق فيها الدبوس فى حانة (( هواى نوت)) .. وانتظرت حتى اوشك الدبوس على السقوط وضربت ضربتك واخذت الحانة منى وطردتنى من بيتى .. وسوف ترقب فى هذا الصباح شمعة اخرى فيها دبوس مرشوق..


وعندما يستقط الدبوس فسوف اصوب مسدسك هذا نحو رأسك .. واقتلك كما لو كنت اتخلص من وحش كاسر !


وامسك (( الزفير)) بشمعة ، ورشق فيها دبوس على بعد بوصة من قمتها ، واوقفها على الارض اما (( ماسيكو)) .. والحقيقة انى بدأت اشعر بالخوف والاضطراب .. فأنا لا احب (( ماسيكو )) .. ولو سألونى منذ ساعة فسوف اصيح باعلى صوتى : اقتلوه .. واطلقو عليه النار !.. ولاكن الان اصلى من اجله واتمنى لو انه يتمكن من الفرار والافلات من هذا المصير المتعس .


وبدأت الشعاعات الاولى من نور الصباح تتسلل الى صفحة السماء من جهة الشرق.. واختفت النجوم تماما .. ولم يظهر من الالوان سوى اللون الرمادى الذى ساد على كل شئ ... فالسماء رمادية .. والصخور رمادية .. والاشجار رمادية .. اما اكثر الاشياء رمادية فقد كان وجه (( ماسيكو)) الذى تبلدت ملامحه وظهر خطوط سوداء نحن عينيه وتجمدت بعض قطرات من الدم على جانب وجهه 

اذ يبدو انه جرح اثناء القبض عليه .

وظل ((ماسكيو)) مرخيا نظره الى الارض .. ثم رفع عينيه وصوبها نحوي في نظرات متوسلة .. نظرات تدل على اعجز

والاستسلام ..تماما مثل نظرات حيوان موشك على الذبح .. وحتى تلك اللحظة لم اكن ارى في ماسكيو اية ملامح من ابنته ((جريس)) كما لم اكن ارى في الابنة اية ملامح من ابيها .. ولكن في تلك اللحظة بالذات احسسست بان ((جريس)) نفسها تنظر الي بعيون ابيها .. وزاد هذا الاحساس من اضطرابي وجعلني لا ارغب في مشاهدة ما سوف يحدث ولا استطيع ان اتحمله ..

وساعد الهواء على سرعة ذوبان الشمعة .. واخذت الشعلة تقترب من المكان الذي رشق فيه الدبوس .. واخذت النهاية تقترب هي الاخرى مع ذوبان الشمعة .. وكان ((ماسكيو)) مركزا نظرات عينيه الان وهو يشعر بان حياته تذوب بذوبا ن الشمعة قطرة قطرة .. واخيرا بدأ(( ماسكيو)) يتكلم بصوت مستعطف لا يدعي الشجاعة :

- ارجوك لا تقتلني يا مستر ((آلزفربلوك)) .. ان لدي ابنة وحيدة ليس لها عائل سواي .. فهل تحرم هذه الابنة من ابيها وهو الشخص الوحيد الذي يرعاها ويحميها ؟.. انظر الى حال تلك المسكينة حين يحملون اليها جثة ابيها غارقة في الدماء ..!

ورد ((آلزفر)) على هذا الاستعطاف قائلا:

- وانا ايضا كان لي ابن وحيد .. وقد حملو الي جثته غارقة في الدماء .. فمن ذا الذي قتله ؟.. وباي مسدس قتل ؟ .. الا تعرف؟!.. انه نفس المسدس الذي ساستعمله الان في قصف حياتك .. هيا اقم صلاتك وتقرب الى الله .. لم يعد امامك سوى وقت قصير تؤدي فيه صلواتك ..

وانحنى ((آلزفر)) ..والتقط المسدس الملقى على الارض واعده الى الضرب .. وادار ظهره الى ((ماسكيو)) واخذ يتمشى امامه جيئة وذهابا .. وكان من الواضح ان كلمات الاستعطاف الذي قالها ماسكيو قد جعلت ((آلزفر)) اكثر غضبا .. لانها ذكرته بمقتل ابنه ((دافيد)) .. ولكن هذه الكلمات نفسها لمست شغاف قلبي .. وشجعتني على ان اتقدم الى ((آلزفر)) وارجوه ان يصرف النظر عنقتل هذا الرجل .. وتركني ((آلزفر)) حتى اكملت

كلامي ثم قال :
- ان لك قلبا طيبا يا بني ...وهذا ما جعلني احبك.. ربما كنت مصرا على قتل ماسكيو لاني غاضبا عليه .. ولكني الان في موقف حرج للغاية .. ولا اتصور كيف اقدم على قتل رجل مكتوف اليدين والقدمين ومستسلم على هذا النحو حتى ولو كان هذا الرجل قد قتل عشرين من ابنائي .. ولكنك تعلم اان الرجال تركوه لي لكي انتقم منه بنفسي .. وكانو سيقومون بقتله لولا تدخلي .. والان اذا اطلقت سراحه وتركته الى حال سبيله فسوف يقوم هو بشنق الرجال جميعا .. هل يرضيك هذا ؟.. ليس امامي سوى ان اقتله !

وبالرغم من ذلك فقد واصلت رجائي ((لآلزفر)) وانا امسك ذراعيه بين يدي واستعطفه لكي ينقذ حياة ((ماسكيو)) .. ولكن يبدو ان كل الرجاء كان بلا جدوى ..


اما ((ماسكيو)) فقد ظلت نظراته مشتتة بين الشمعة وبين اطراف الشمس التي بدات في الظهور من ناحية الشرق .. وبدا راس الدبوس يتحرك ببطء مع القطرات الذائبة التي اخذت تهبط به رويدا رويدا .. لقد خانت اذا لحظة النهاية واخذ ((ماسكيو)) يبكي مستعطفا لانقاذ حياته .. عرض الف جنيه ..ثم خمسة آلاف ..ثم عشرة آلاف كفدية لانقاذ حياته ..ووعد باعادة حانة ((هواي نوت)) الى ((آلزفر))..با وعرض ان يغادر ((مون فليت)) بصفة نهائية ولن يعود اليها ابدا .. وكانت الدموع تنهمر من عينيه وتسيل على خديه مع كل كلمة يقولها ..


ولم يستجب ((آلزفر)) الى اي عرض من تلك العروض ولم يلن قلبه امام كل هذا الاستعطاف .. بل امسك بالمسدس وجهزه لاطلاق النار .. فاغلقت عيني ووضعت اصابعي داخل اذني حتى لا اسمع ولا ارى ما سوف يحدث عندما يسقط الدبوس تماما عن جسم الشمعة .. وبعد لحظة فتحت احدى عينى ورأيت الدبوس وهو يسقط على الارض .. ورأيت (( الزفير)) وهو يصوب فوهة المسدس الى رأس (( ماسيكو)) .. وفى لمح البصر انقضضت على (( الزفير)) لامنعه من القتل .. واشتبكت معه وانا احاول ابعاد المسدس بطريقة لا اعرفها ، وذوى صوت الطلقة فى ارجاء الشاطئ .. وعندئذ توقف الاشتباك ونظرنا الى ناحية (( ماسيكو)) ..

فلاحظت ان شيئا من السرور قد غمر ملامح وجهه ..
وانه يتجه بنظرات عينيه الى عالى قمة الطريق الصاعد .. لعله كان يشكر السماء على تدخلها لانقاذه فى اخر لحظة !

***

ولكن الذى حدث كان شيئا مختلفا تماما .. فبمجرد دوى صوت طلقة المسدس .. سمعنا اصوات العديد من الرجال الذين كانو ينادون بعضهم بعضا .. ونظرنا نحو قمة الطريق الصاعد فرأينا نحو عشرين جنديا من جنود الملك يحاصروننا من فوق القمة ويصوبون اسلحتهم نحونا ..

لقد فهمنا الان ما حدث بالظبط .. فقد اتفق (( ماسيكو)) مع هؤولاء الجنود ان يهاجمونا عندما يعطيهم اشارة من مسدسه .. وكانت الخطة ان يقبض هؤلاء الجنود علىجميع الرجال الذين اشتركو فى عملية تهريب البضائع اثناء قيامهم بالتهريب من البحر الى البر .. ولكن نظرا لان العملية قد تمت فى وقت مبكر بسبب وصول السفينة قبل موعدها فان الوقت المتفق عليه بين (( ماسيكو)) والجنود لبء الهجوم قد تأخر نحو ساعتين بعد اتمام عملية التهريب . .


نظر (( الزفير)) نحو الجنود .. وصاح قائدهم :


_ استسلمو .. اننا نقبض عليكم باسم الملك .. 

_ لقد ضعنا .. انهم جنود الملك فعلا .. ولكن قبل ان موت فلا بد ان يموت هذا الرجل قبلنا ..!

وتقدم الى (( ماسيكو)) ليضربه على راسه بمؤخرة المسدس .. وهنا صاح (( ماسيكو)) فى الجنود مناديا:

_ الحقونى اقتلوهم قبل ان يقتلونى !!

وقبل ان يصل (( الزفير)) الى(( ماسيكو)) ليضربه دوى صوت الرصاص .. وهوى (( ماسيكو)) على الارض وقد استقرت رصاصة فى راسه بين عينيه تماما..!!


وصاح (( الزفير)) :


_ بسرعة ياجون .. اهرب من ناحية اليسار والزم جانب الصخور لتستتر بها .. انهم لن يستطيعوا اصابتنا فى تلك المنطقة .. هيا بسرعة ؟؟!


فجريت .. وجرى(( الزفير)) خلفى .. ولكنى سقطت على ركبتى فجأة .. ووجدت نفسى غير قادر على الحركة .. وشعرت بألم شديد فى قدمى اليسرى .. وقال (( الزفير)) ملتاعا:


_ هل اصابوك انت ايضا ..؟!


وتقدم نحوى .. وحملنى بين ذراعيه .. ودوت طلقات الرصاص حولنا .. وطاشت جميع هذه الطلقات واحدة بعد الاخرى لاننا كنا محتمين خلف الصخرة .. !